الرئيسية 08 المقالات 08 تصريحات وردود 08 فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي في ضيافة الجزائر الجزء الثاني
فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي في ضيافة الجزائر الجزء الثاني

فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي في ضيافة الجزائر الجزء الثاني

حضر الدورة التدريبية الإقليمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة

فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيطي في ضيافة الجزائر

 

الجزء الثاني:

يفتح في هذا الحوار الشيق فضيلة الشيخ محمد المختار الشنقيط، قلبه للدكتور يوسف بلمهدي، وذلك على هامش الدورة التدريبية الإقليمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بالجزائر، حيث تحدث الشيخ عن مساره العلمي والكثير من الأمور التي تهم المسلمين بصفة عامة والجزائريين بصفة خاصة.
س: إن شاء الله، أستاذنا ماهي الإضافة التي تحملونها في هذه الدورة للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في الجزائر، ما هو الشيء الذي تلمسونه وأنتم هنا في الجزائر وأنتم هنا في مدينة بوسعادة مدينة العلم والعلماء والجهاد، ماهي الدلالة التي تضيفونها ويمكن أن تضيف إليكم قوة إلى قوتكم؟
ج: سؤالك هذا من تأثيره علي جعل جلدي يقشعر، ماذا أقول لك كم أضفت، أضفت إخوانا كنت أسمع عنهم والآن أجالسهم، أضفت روحا كنت أسمع عنها وهي روح الجهاد وروح النضال، هأنا الآن في بلدها، فأنا الآن أتقمص الجزائر تاريخا، أتقمص الجزائر علما، أتقمص الجزائر جهادا، معناه أنني حصلت على كنوز عظيمة بفضل الله سبحانه وتعالى، وبالتالي أنا لا أستطيع حقيقة أن أتصور حجم ما استفدت، استفدت إخوة وعشت معاني الأخوة، عشت معاني الضيافة الكريمة، عشت معاني الشعب الأبي، هذه المعاني سأحاول أن أتقمص منها ما استطعت وسأورثها إن شاء الله لأبنائي ولطلبتي والله يعين على ذلك.

 


  • والله نحن كذلك نبادلكم الشعور نفسه ولو تعلمون أننا عندما نجلس إلى شيخ موريتاني أو عالم أو دكتور موريتاني نتمثل آية الرسوخ في العلم صحيح أن عالم الشهادات تزحم الأسواق العلمية والجامعات ولكن عندما نتحدث عن موريتانيا نتخيل جبال راسخة في العلم، وإن شاء الله أنتم منهم، فضيلة الشيخ لا أريد أن أطيل عليكم وأحببت أن نختم هذا الحوار بالحديث عن تجربتكم العلمية في الدراسة فيما وصلتم إليه، فأنا في بعض الأحيان عندما أدرس التفاسير -وأنا تخصص تفسير- أجد أن بعض العلماء يقول أن هذه الآية لم يفتح لي فيها شيء قالها الزمخشري وقالها غيره وقالها المعاصرون، هل تجدون أنفسكم في بعض الأحيان أمام هذا النص العظيم تطرحون أسئلة ولم تجدوا لها إجابة لا عند السابقين ولا عندكم، ولكن تقولون هذا ما قاله فلان وأنا متوقف أمام هذه الآية في دلالتها؟

بطبيعة الحال بالنسبة لمسيرتي العلمية المتواضعة -ولكن أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يبارك لي فيها- بدأت الدراسة في جو قريب لأن أبي كان من حملة العلم وكان من أهل التواضع والزهد، وعلمني بعض السلوك وبعض الأخلاق قبل أن يعلمني العلم، ثم بعد ذلك لفت نظري إلى أن طالب العلم ينبغي أن يتزود أولا بآلات العلم، فإذا تزود بآلات العلم يمكن أن يستغني في بعض الأحيان عن مجالسة غيره إذا لم يجده ومع ذلك لم ينصحني بالبعد عن الأخذ عن الأشياخ، فأخذت عن غيره من علماء موريتانيا حتى حصّلت الكثير من المتون التي تدرس في ذلك البلد، ثم بعد ذلك التحقت بالدراسة النظامية، ثم بعد ذلك توظفت وبقيت في التدريس فترة من الزمن، ثم أردت أن يكون لي شهادة على العالم الآخر فبدأت أبحث عن مكان أفيد فيه، فانتقلت إلى بعض دول إفريقيا وأسست فيها جهدا علميا.

  • السنغال مثلا؟

لا غامبيا أساسا والسنغال في بعض الأحيان ألقي فيه بعض المحاضرات العلمية، وكوت ديفوار وغيرها، لكن غامبيا هي التي أسست فيها عملاً هو أسس من قبلي لكن أخذت حلقة من حلقاته، والحمد لله وفقنا في بقاء هذا الصرح ولا زال له عطاءٌ إلى الآن، ثم بعد ذلك انتقلت إلى المملكة العربية السعودية.

 

  • درستم بالمدينة المنورة؟

ج: بالنسبة للملكة العربية السعودية جئتها أولا بطلب من أحد الأمراء كان له رغبة في أن يدرس العلوم الشرعية واللغوية على الطريقة الموريتانية ومكثت معه بعض الوقت ولكن نتيجة لانشغاله انتقلت عنه للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ومنذ تلك الفترة وأنا فيها مع الدكتور عبد الله المصلح، ثم بعد ذلك رأت الهيئة أن تفتح فرعا لها في موريتانيا فانتدبتني أنا والدكتور إسماعيل القرشي للقيام بهذه المهمة ووفقنا فيها إن شاء الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نوفق في المزيد من الإنجازات.

  • أستاذنا ذكرتم الوالد -رحمة الله عليه- وقد كان يرشدكم إلى السلوك وإلى الأدب مع الله وإلى أخذ الخشية من هذا العلم، أما اليوم مع الأسف الشديد العلم يطلب للشهادة وللمناصب وللوظيف وللرغيف وقليلٌ من يطلب هذا العلم لوجه الله تعالى. كيف يمكن أن نوجه الطالب إلى هذا الأصل لأنه من ههنا يبدأ طريق العلم. طلبناه لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، كما قال الشيخ الغزالي رحمه الله؟

أنا أحسب أن طلب العلم في حد ذاته مقصد، وهذا المقصد قد يوصل إلى المقصد الذي ذكرت، صحيح أن تصحيح البدايات يفيد في مباركة النهايات، لكن إذا قدر أن الإنسان إذا دخله بنية أخرى نحاول أن نصحح تلك النية إن استطعنا إذا لم نستطع فنرجو له من الله أن يقع له ما وقع لهؤلاء الذين قالوا طلبنا العلم لغير الله فأبى هذا العلم أن يكون إلا لله، فهذا العلم حقيقة غلاب، فمن سلك طريقه إن شاء الله سيسهل الله له به طريقًا إلى الجنة، لكن الأكمل أن تكون نيته صالحة، لكن لابد أن نصحح للناس مفهومًا، أنت حتى وإن نويت أن تحصل على وظيفة وكنت تريد بهذه الوظيفة سد حاجتك وتريد بها النفع وتريد بها تقليل الشر فهذا مقصد حسن تؤجر عليه، وبالتالي فنحن نحاول دائمًا أن نصحح للناس بعض المفاهيم حتى لا ينجرف بهم الشيطان إلى إخضاعهم إلى مفاهيم خاطئة.

 

  • أبيات من شعركم نجلل بها هذا المجلس في أي غرض من الأغراض؟

طلب مني الشيخ، كما أسلفت أمس، أن أنشد قصيدة، لكن للأسف أنا معظم إنتاجي غائب ولا أحفظ منه إلا القليل المتناثر، القصيدة التي ذكرت بالأمس هي عبارة عن ابتهال لله سبحانه وتعالى عندما كنت في عمرة وكنت في صحن الكعبة وكانت الكعبة أمامي شعرت أن شيء ما يصلني إلى سبحانه وتعالى، فترجمت ذلك إلى لغة شعرية، أذكر منها:
ربّ ذا البيت عبدك اليوم* * *جاء باسطًا كفه إليك إلتجاء
حاملاً من ذنوبه ما دهاه * * * ومقرًّا بما جناه سفاء
آملاً غفران الذنوب جميعًا * * * لو غدت والشمّ الجبال سواء
فلئن كانت الذنوب جبالاً * * * فبمنح الغفران تغدو هباء
فتقبل من جاء عونك يرجو* * * لعظام ولن يخيب رجاء
ليس يرجو سواك لا جلب نفع * * * منه يرجو أو كشفه ضراء
من عَفو سواك من هو ركن؟* * * من يجازي بالحسنِ عبدًا أساء؟
أنت من قد مهدت للناس أرضًا * * * أنت من قد رفعت تلك السماء
أنت من تُمسك الطيور صفوفًا * * ** * * في طباقٍ تعلو صباح مساء

وتستمر القصيدة في الثناء على الله سبحانه وتعالى ثم يأتي شيء من الدعاء:
يا إلهي أنت المُرجى لكشف الضرّ * * * فاكشف ما مسّ من ضراء
فرّج الهمّ واكشف الكرب وارفع * * * كل ما لي يد أن أساء
واقض ديني واغنني عن سوى فضلك* * * واجعل عيشيَ رغيدًا هناء
وأنلني محبة الملأ الأعلى* * * وهب لي نشر القبول فداء

ثم أدعو للأمة ولقضايا الأمة، وهذه نموذج من نماذجي المتواضعة، متواضعة حسب شكلها، لكنها مرتفعة حسب مضمونها.

  • أكيد والمناجاة أعظم أبواب الأدب في الحقيقة، هل لكم ديوان فضيلة الشيخ طبعتموه؟

لا، نتف من القصائد هنا وهناك، أكثرها ضائع لأني كنت كثير الترحال من مكان إلى مكان.

  • وغير كتاب التفسير، هل لكم كتب أخرى ومشاريع ممكن أن نذكرها للقارئ ليترقبها؟

ج: لي مجموعة من البحوث، ومجموعة كذلك من الأنظام لأنني كنت أريد أن أزاوج بين الطريقة المحضرية والطريقة المعاصرة، فيما يتعلق بالطريقة المحضرية لي عدة أنظام.

س: هل لكم أن تذكروا بعضها؟

ج: نعم، نظم “نوازل الفقه المعاصر” هذا فيه تقريبا ألف وأربعمائة بيت، لقرارات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي.

  • وهل أنتم عضو في مجمع الفقه الإسلامي؟

لا، لست عضوا في المجمع، وإنما أقرأ ما يكتب وأحضر بعض الملتقيات والمؤتمرات.

  • هل لكم منظومات أخرى؟

نعم، منظومات أخرى فيها منظومة في قواعد التفسير، تسمى “المعين في المسير لمبتغي قواعد التفسير”، وهي أزيد من ثلاثمائة بيت، ونظمت القواعد الفقهية الموجودة بمجلة الأحكام العدلية.

  • وماذا عن كتاب الونشريسي في القواعد؟

وهذا مرجع ندرسه بالبلد.

  • ما نظمتموه؟ أو كتاب قواعد المقري؟

كتاب المقري سبق وأن حاولت نظم بعض الأمور منه، ولكن ضاع علي الكتاب فما استطعت.

  • ولكن المشروع موجود؟

لا، بالنسبة للأهمية قواعد المقري هذه، أنا أحسب أنها من أهم ما ألف في القواعد، هناك أنظام في قضايا فقهية مختلفة كنت حتى في مرحلة الطلب المسائل التي عادة يصعب استيعاب الطالب لها أنا أنظمها وسميته سبحان الله لا أذكر الآن اسمه، المهم فيه تيسير لكل المسائل التي تتشعب عادة على الطلاب، معناه المسائل التي فيها تصويرات مختلفة مثل بيوع الآجال ومثل بيوع العينة ومثل بعض النظائر التي يصعب جمعها سهلتها بجملة من الأنظام، يعني الأنظام التي عندي في حدود خمسة عشر نظمًا أظن وعلى ما أعتقد.

  • بالمئات يعني من الأبيات؟

نعم، منها شذور الذهب.

  • يزيد تقريبا عن 200 بيت. أقرب مشروع تعودون به من الجزائر إلى موريتانيا لتنجزوه في نيتكم ويكون هذا التزامًا أمامنا؟

لتتبعوني عليه ليعينني الله عزّ وجلّ.

  • حتى نشد على عضدك إن شاء الله

أنا حقيقة أريد أن أستمر في دراسة بعض السور دراسة موضوعية.

  • أي تفسير موضوعي للقرآن؟
    ج: نعم، تفسير موضوعي بمعناه هو التفسير الموضوعي يعرف له نوعان، أن نعمد لموضوع معين فنجرده من كتاب الله عز وجل، أو نجعل السورة كلها تتناول موضوعا واحدا فأنا أقصد هذا النوع الأخير.
  • يعني تعطينا صورة عن سورة؟

نعم، لكن أربط أجزاء السورة كلها فأجعلها خادمة للموضوع الكبير، وهذا لا يعني أنه توجد مسائل، لكن يضبطها ضابط وينظمها ناظم واحد هو موضوع واحد، كالموضوع الذي تناولته، ليلة أمس طلب مني أن أتناول مقصد من مقاصد الشريعة فذكرت أن من مقاصد الشريعة العظيمة وحدة الأمة، وحدة الأمة تناولتها لهم من خلال سورة الحجرات، فسورة الحجرات من بدايتها إلى نهايتها وإن كانت تناولت موضوعات شتى.
س: هي صورة الآداب كما تسمى؟
ج: حتى لو سميناها آداب، فهي تصب في توحيد الأمة، لو ضربت مثلا هي بدأت بتوحيد المرجع، توحيد المرجع هذا عامل من عوامل وحدة الأمة، والتحذير من الأخبار الكاذبة، الأخبار الكاذبة تعرف أنها تمزق الأمة، الإصلاح، احترام المشاعر، الإرجاع إلى أصل واحد، توضيح المفاهيم ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)) (سورة الحجرات الآية 15)، المفاهيم إذا تركت عائمة فإن كل أحد يستطيع أن يفسرها انطلاقا من هواه أو من خبيئته فإذا حُسم تفسيرها فإن ذلك من شأنه التوحيد (الوحدة)، التوظيف الإيجابي للموارد ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ)) (سورة الحجرات الآية 15)، هذه هي الموارد، الموارد إذا وظفت توظيفا إيجابيا كانت عاملا من عوامل الوحدة والقوة.

  • أستاذنا ربما في ختام هذا المجلس، في الحقيقة مجلس مبارك وشيق معكم، في موضوع ترتيب السور، هناك من بحث فيما يسمى بالمناسبة الترتيب بين السورة والسورة، هل وقفتم على شيء جديد، السيوطي في بعض الأحيان يذكر السورة والسورة ويقول أنا لم أجد فيها رابطا، هل وأنتم تدرسون وقد كتبتم في التفسير ماذا نقول للمتخصصين في علوم القرآن والتفسير؟

بالنسبة لهذا الموضوع فيه محاولة سابقة أحسب أنها من أجود المحاولات، وهي محاولة البقاعي في كتابه “نظم الدرر في تناسب الآيات والسور”، هذا يمكن أن ينطلق منه الباحثون ولا يعني أن كل ما جاء به مُسلمٌ به، لكنه حقيقة بدأ بداية طيبة، أنا حتى الآن لم يكتب لي أن أعمل عملا في هذا المجال، لكن دائما عندما أفسر للناس سورة أو سور أريهم الترابط بين الموضوعات موضوعا موضوعا، مع أني أشعر بموقف بعض العلماء من ذلك كالشوكاني مثلا، الشوكاني له موقف شديد من هذا النوع لكنه محجوج بكثرة العلماء الآخرين الذين يتلمسون دائمًا الترابط بين نصوص القرآن، إذًا خلاصة الأمر ليس لي مؤلفٌ في التناسب بين السور سبقت إليه، وهو قابل للتطوير، أما بالنسبة لترتيب الآي بعضها ببعض فالتفسير الذي كتبت.

  • التفسير المختصر؟
    ج: نعم، التفسير المختصر الذي كتبته فيه الإشارة في بعض الأحيان إلى التناسب بين الآية والآية وبين المقطع والمقطع، أما عندما أدرس أنا عندي الآن مثلا كرسي علمي في بعض المساجد الموريتانية، وقريبا إن شاء الله سأنشأ كرسيا آخر في مركز تكوين العلماء، هذا الكرسي بدأته بالتفسير وبدأته بهذه المنهجية التي سألت عنها.

د/يوسف بلمهدي: والله فضيلة الشيخ أخذنا من وقتكم الكثير ووقتكم عزيز، أشكر لكم إتاحة هذه الفرصة لنا وسنبعث لكم إن شاء الله المقال تقرؤونه.

فضيلة الشيخ: شرف لنا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقكم لما يحبه ويرضاه، والحمد لله على هذه الأخوة القديمة الجديدة المتجددة والباقية، نسأل الله أن يديمها.
حاوره الدكتور يوسف بلمهدي

 المصدر

 

 

عن ahmed

اترك رد