الرئيسية 08 المقالات 08 مقالات اسلامية 08 الذلة والافتقار طريق الوصول إلى الله
الذلة والافتقار طريق الوصول إلى الله

الذلة والافتقار طريق الوصول إلى الله

بقلم الدكتور يوسف بلمهدي

 

قول الله سبحانه وتعالى مشيرا إلى ما كان عليه سيدنا زكريا من الذلة والافتقار بين يديه سبحانه يرجو رحمته ويطلب منه ما ليس مستحيلا على الله سبحانه وتعالى، بل إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، )فَسُبْحَان الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوت كُلّ شَيْء[ (سورة يس: الآية 83)، يقول الحق سبحانه:  كهيعص (1)  ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)  (سورة مريم: الآية 1-6).

وقد تحدثنا عن السرّ في قوله تعالى  قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي  وليس من داع إلى تكراره، أما قوله سبحانه وتعالى واشتعل الرأس شيبا ففيه هاهنا لفتة، أنظر كيف أنه قدم الحديث عن العظم لأن العظم غير باد وغير ظاهر للناس، فالناس لا ينظرون إلى عظامنا أوهنت أو قويت؟ هل اشتدت أو لم تشتد؟، بينما يستطيعون أن يكتشفوا شيبا على رأسك بدا أو في مفرق من مفارقك، ولذلك بدأ بالخافي وترك الظاهر البادي لأنه واضح، ولذلك بدأ بذكر ما هو أهم على ما ليس بمهم، كاشتعال الرأس شيبا  قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا   في الدرجة الثانية ثم لأمر آخر لأن ذكر الشعر لو ذكره ابتداء لما كان شيب الرأس دليلا على كبر سنه دائما، لأنه قد يشيب الصبيان، وكما قال الحق سبحانه وتعالى في شأن القيامة التي تشيب الصغار يوما )فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا[ (سورة المزمل: الآية 17)، وفي حياة الناس نجد أناسا صغارا قد شابت، واشتعلت رؤوسهم شيبا، ولكنهم ليسوا بكبار، وليسوا بضعفاء، وليسوا بعاجزين، ولكنه ذكر الأمر العظيم وهو وهن العظم الذي يدل دلالة قاطعة على كبر في السن، وعلى الطعن في الشيخوخة، كما يذكر علماؤنا في علم الطبيعة.

 

 

ثم قوله سبحانه وتعالى   وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا  ، أي أنني يا ربي لم أخيب أبدا في دعائي إياك في وقت من الأوقات السابقة في عمري، بل كلما دعوتك أجبتني، وعودتني منك الإحسان، فلا تجعلني أكون شقيا بهذا الدعاء اليوم، وأنا الذي كلما دعوتك أجبتني، وكلما سألتك أعطيتني، فإنه توسل منه بما سلف من الاستجابة عند كل دعوة بعدما عوده الله الإجابة قبلا، فإنه الآن في حال ضعف أدعى لقبول هذا الدعاء كبر السن، والافتقار والاضطرار وخوف الموالي وما إلى ذلك، وتماما كما قيل عن رجل جاء يطلب نجدة من آخر، قال له: «أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا وكذا»، فقال له: «مرحبا بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته»، فكأنه قال له: «ولم أكن بدعائك ربي شقيا فيما سبق فكيف تردني فيما لحق»، وكأنه يقول له: «اللّهم إن الرد بعد الإنعام كأنه يوشك أن يسقط الإنعام الأول، وحاشاك أن تفعل ذلك، فأنت الذي عودتنا الإحسان، وعودتنا الفضل دون أن نسألك» وهذا توسل آخر منه عليه السلام في أدب جم رفيع، حتى يعلمنا كيف نسأل حاجاتنا من عند الله سبحانه عزّ وج، إنه ذكر ضعف قواه، وكبر سنه، وخوفه من مواليه، وتردد أمره وخوفه، أن لا يكون له وريثا، كما قال في آية أخرى: ) رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ[   (سورة الأنبياء: الآية 89)، كل هذه الأشياء جعلت الدعاء أقرب للاستجابة وأقرب إلى تمكن القبول منه، حتى قال علماؤنا لا يمكن الله العبد من الدعاء إلا لإجابته، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من فتح الله له باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة» ولذلك صدر الله هذه الآيات بقوله )ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا[ أي ما فتحنا له باب الدعاء إلا لكي نرحمه فذكر رحمة ربك عبده زكريا ارتقت الرحمة بالدعاء لأنه يسر له سبل وأبواب الدعاء فكان في مقام الرحمة، فرحمه الله سبحانه وتعالى.

ولفتة أخرى في هذه الآية الكريمة أو الآيات الكريمة أنظر لو عددت معي كم ذكر كلمة “رَبّ” قوله سبحانه وتعالى:  ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)  (سورة مريم: الآية 2-6).

 

في هذا الدعاء وردت كلمة “الرّب” خمس مرات، ولم يقل “اللّه” أو “اللّهم” ولكن اختار كلمة “الرّب” القرآنية التي تدل على الرعاية والحماية، والعطف والنفقة، وخفض الجناح والتأديب، تماما كما قال فرعون لسيدنا موسى: ) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ[   (سورة الشعراء: الآية 18)، فإن التربية تدل على الضعف أي ألا نذكرك بيوم كنت فيه ضعيفا فربيناك وأنشأناك.

 

كذلك قال سيدنا زكريا يا رب أنت الذي كبرتني وأنفقت علي وغذوتني وكسوتني وربيتني فكان يقول: «يا رب، يا رب، يا رب» حتى يستجاب دعاؤه، وقد علمنا القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:  الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  (سورة الفاتحة: الآية 2)،  وقال الحق سبحانه وتعالى:  رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ   فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ   تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ  (سورة يوسف: الآية 101)،  رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا  (سورة الفرقان: الآية 47)  رَبِّ اجْعَلْ هَ ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  (سورة البقرة: الآية 126)  رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ  (سورة الأنبياء: الآية 89) هذه آيات وآيات كثيرة في القرآن الكريم صدرت الدعاء بكلمة  رَبِّ  لأنها أدعى  لقبول الدعاء وأوجب، ولأنها تشعر الإنسان بالتذلل بين يدي الله سبحانه وتعالى الذي يملك خزائن الدنيا والآخرة، ولذلك كان يقول الإمام البسطامي: «كابدت العبادة ثلاثين سنة، فرأيت: قائلا يقول يا أبا يزيد خزائن الله مملوءة من العبادات إن أردت الوصول إليها فعليك بالذلة والافتقار»، ولن تكون متذللاً أو مفتقرًا إلا إذا ذكرت مراحل ضعفك، ومراحل تربيتك، ومراحل عجزك، تماما كما يذكرك والداك بحالات الضعف، وحالات الصبا التي لا تستطيع فيها شربة ماء، ولا مضغة طعام، ولا تستطيع أن تحمل كساءً أو غذاءً أو دواءً أو ماءً، فأنت يومها أضعف مخلوقات الله تعالى، فإذا ذكرك والدك أو والدتك يوم كنت رضيعًا فهي أعظم منّة، ولذلك اختار سيدنا زكريا عليه السلام لفظ “الرّب” لأنه أدعى لقبول الإجابة عند الله سبحانه عزّ وجلّ، ومن ثم فإن سيدنا زكريا عليه السلام علّمنا أفضل ما يمكن أن نتعلم من آداب الدعاء بيننا وبين الله سبحانه عزّ وجلّ، وأن ندعو لأنفسنا ولأولادنا بالصلاح فقد كان حريصا على صلاح ولده «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ»، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «لا تدعو على أولادكم بالشرّ».

 

عن ahmed

اترك رد