الرئيسية 08 المقالات 08 مقالات اسلامية 08 الأنا والآخر في القرآن
الأنا والآخر في القرآن

الأنا والآخر في القرآن

مع لفتة قرآنية جديدة نستشف منها النور والخير والبركة من موائد كتاب الله تعالى المقدس الذي لا تنقضي عجائبه، والذي لا يخلق من كثرة الرد، لا يمله الأتقياء ولا يشبع منه العلماء.

كتابٌ جعله الله تعالى كاملاً في كل شيء، ومن جملة ما أكمله الله تعالى وكمل به النفس البشرية الشَرُود، فعالج ما فيها من أنانية وما فيها من حبّ الذات، وما في هذه النفس من إلغاء الآخرين واحتقارهم، هلاك المرء بإعجابه بأناه المدمر وهذا إشكال يطرح نفسه بقوة في عالم الحضارة اليوم، كيف نتعامل نحن مع غيرنا؟، وبعبارة المختصين كيف يتعامل الأنا مع الآخر؟.

ونحن إذ نعرض لهذه اللفتات القرآنية في هذا الجانب لنستشف الأسس التربوية التي أقامها القرآن الكريم لبيان معنى الأنا الإيجابي ودحض الأنا المدمر المتكبر، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى إن هلاك المرء ذكر في القرآن الكريم بشيئين اثنين: بحبّ الأنا المدمر والعندية القاتلة، فأمّا الأول فقول الله تعالى على لسان فرعون “فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ” (سورة النازعات: 24)، فهو تحدث بفرعونيته وحاكميته عن ذاته بما ليس فيها فوصفها بالربوبية العليا، قال: “مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي” (سورة القصص: 38)، وأما العندية القاتلة ما جاء على لسان قارون الذي قيل له أذكر فضل الله عليك ونعمه فأغدق عليك من النعم الظاهرة والباطنة وزادك مالا “وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ” (سورة القصص: 76) ، “قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي” (سورة القصص:78)، ولم يعرف لله تعالى حقه، إذ الله سبحانه وتعالى هو الواهب، وانظروا إلى هذا الكلام الذي قاله فرعون يعلي من شأن نفسه، ويلغي الآخر، عندما قال: “أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ” (سورة الزخرف: 52)، جعل نفسه خيرًا من غيره، بل وصف الغير والآخر بأوصاف لا تليق، ظن هذا المغرور بأن فصاحة لسانه تغنيه عن فصاحة قلبه، وحكمه وملكه يغني عن القلب النظيف واليد السليمة، وعن الفكر النيّر وعن الوحي، فظن بذلك هذا الظن الذي أرداه فجعله من الخاسرين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم بأن من مهلكات آخر الدهر إعجاب كل ذي رأي برأيه بحيث لا يُبقي للآخرين شيئا، وقد قيل في وصف من يدعي العلم لنفسه بأنه هو الحاوي والجامع والمانع لكل أصول المعرفة:

قل لمن يدعي في العلم فلسفة *** علمت شيئا وغابت عنك أشياء.

وأنظر إلى هذه اللفتة القرآنية الكريمة كيف وقف ابن آدم الأول في قصة قابيل وهابيل، كيف وقف القاتل مشدوهًا أمام غراب يعلمه، والإنسان سيد الكون ولكنه استفاد من غراب: “قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي” (سورة المائدة: 31)، فتعلّم إنسان الكون الأول من غراب، بل في آخر الزمان جعل الله تعالى دابّة تخرج من الأرض، وهي من العلامات الكبرى كما يذكر علماء العقيدة في آخر الزمان، تكلّم النّاس وتشرح لهم بأن التوحيد هو أصل الكون وأن عبادة غير الله تعالى أمر فيه تجني على حقوق الله سبحانه عزّ وجلّ، فلا ينبغي أن يغتر أحدنا فينظر في عطفيه بإعجاب وتكبر، ويظن بأن أناه أو نفسه أو ذاته يمكن أن تلغي الآخرين.

وهنا سؤال نطرحه أليس من الحق أن يعترف الإنسان بفضل نفسه إن كان من أهل الفضل؟، لا، إن الله سبحانه عزّ وجلّ أمرنا أن نشيد بذلك تحقيقًا لقول الحق سبحانه “وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ” (سورة الضحى: 11)، وهذا المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول كلمة شهيرة شبيهة برجز الشعراء، ورسول الله ليس بشاعر، قال: «أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب»، فهو ذكر أناه وذكر ذاته ولكن بما ليس فيه تغرير بالآخرين أو إلغاء للمواجهين، إنما وصف نفسه كما أقامه الحق سبحانه وتعالى، فقال: «أنا النبي لا كذب»، ونحن نشهد بنبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، «وأنا بن عبد المطلب»، وصف نفسه بأنه ينتمي إلى الجد الفلاني، وقد عقد الإمام البخاري بابًا في هذا المعنى من جواز الانتساب للآباء ولو كانوا كفارًا واستدل بهذا الحديث، وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرسول الكريم الأمّي الذي ألقى العلماء بين يديه صلى الله عليه وسلم كل مقاليد الإجلال والتكريم:

يا أيها الأمّي حسبك رتبة *** في العلم أن دانت بك العلماء.

يقول عن نفسه أنا سيد ولد آدم وهو خير خلق الله أجمعين، منذ أول النشء إلى أن تقوم الساعة.

فقد علمنا القرآن الكريم أن لا نلغي ذواتنا إن كان فيها شيء من الخير، ولكن على أن لا نحرم غيرنا مما يقدمون، بل علينا أن نحترم ما عند الآخرين وأن نقرّ ما عندهم وإن كان شيئا زهيدا.

وقد وقفت على لفتة أخرى من كتاب الله سبحانه عزّ وجلّ في حوار هادئ بين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ووالده آزر الذي كان يصنع الأصنام، وكان شركة قائمة بذاتها لترويج الشرك وقتل التوحيد، كان يقول له إبراهيم “يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ” (سوة مريم: 43) ، لم يقل له يا أبتي أنا أعلم منك بإكبار الأنا وتدمير الآخر، لا، ولكن “يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِن“، بالتبعيض، شيء من العلم –قليل- ليس عندك منه، أما أنت فعالم، وأنا أتعجب ممن يقول لوالده أنا متعلم أو أنت جاهل، أو يقول لأمه أنت لا تعرفين شيئا، فإذا كان الإنسان يتجاسر على أن يلغي الآخر وإن كان والده أو أمه فإنه بدون شك سوف يسحق الآخرين ولا يترك لهم مجالا للحديث ولا للعمل النافع، ولذلك علمنا القرآن الكريم أن نقول:”قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا“(سورة مريم: 43)، فلا تلغ الآخر، ولا تقل الغير لا يعرف شيئا، ولا تقل لمن تنصحه بأنه ليس فيه خير بل فيه جزء من الخير، وحاول أن تستفيد منه، وأن تمد جسور الحوار بينك وبينه، وأن تتعرف عليه ولا تلغي قدراته.

وقف معي عند قول الله تعالى في لفتة أخرى ملفتة للنظر في سورة الحجرات “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ” (سورة الحجرات: 11)  لم يقل الله سبحانه وتعالى لا يسخر قوم من قوم عسى أن تكونوا أقل منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن أقل منهن، لماذا؟ لكي يحافظ على قدراتك ولم يشأ القرآن الكريم أن يحطمك وأن يدمرك ولكن أعلى من شأنك وأثبت جزءا من الخيرية، ولكن قال لك إيّاك أن تفاخر بهذه الخيرية فتدوس على رقاب الآخرين، وإيّاك أن تستغل هذا العلم، وهذه الذات، وهذا النفع والصلاح فتجعله عملة للترويج لذاتك وسحق الآخرين “فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ” (سورة النجم: 32)  فالله سبحانه عزّ وجلّ يحترم ما عندك ويأمرك أن تحترم ما عند الآخرين، ولذلك كان يقال في شأن الإنسان:

قيمة الإنسان ما يتقنه *** أَكثرَ الإنسان فيه أو أقلّ.

فكل إنسان قيمته عندما يتقن شيئًا ولو كان هذا الأمر قليلاً، فإياك أن تغتر بما عندك ولو كان كثيرًا وتجعله فوق الآخرين تاجًا، وترغم غيرك أن يقرّ لك فيجعلك الأول والآخر، ويجعلك ممن ينبغي أن تفاخر، وأن تجعل هذه الهبة التي متعك الله سبحانه عزّ وجلّ بها ومكّنك وجعلك رائدًا فيها سلاحًا لكي تلغي الآخرين بها، فإن هذا الكون جعله الله تعالى مشكلاً من عالم وجاهل، ومن غني وفقير، ومن حاكم ومحكوم، فينبغي أن تتخذ السنن التسخيرية، كما قال الشاعر:

الناسُ للناسِ مِن بدوٍ وحاضِرَةٍ *** بَعضٌ لبعضٍ وإنْ لَم يشعروا خَدَمُ

فالله سبحانه عزّ وجلّ في كتابه العزيز لا يلغي ذواتنا ولا الآخرين، ولكن يطلب منا أن نمد جسور المودة بيننا وبين غيرنا، وأن نحاول أن نحاورهم وأن نعرفهم بما عندنا، ونستفيد بما عندهم من خير ٍجعله الله تعالى آية من آيات تفضله وإنعامه، والله سبحانه عزّ وجلّ يذكر في مواضع كثيرة من كتابه المبارك مثل هذا الشأن المهم في ربط العلاقة بين الأنا والآخر، نراه لاحقًا

بقلم: يوسف بلمهدي

عن ahmed

اترك رد